رباعيات

محمود درويش

(1) مشاهدة


وطني ! لم يغطني حبي لَكْ
غير أخشاب صليبي !
وطني , يا وطني ، ما أجملكْ !
خذ عيوني ، خذ فؤادي ، خذ ... حبيبي !
في توابيتِ أحبَّائي أُغنّي
لأراجيحِ أحبَّائي الصغارْ
دَمُ جَدِّي عائدٌ لي , فانتظرني
آخِرُ الليلِ نهارْ !...
شهوةُ السكِّينِ لن يفهمَها عطُر الزنابقْ
وحبيبي لا ينامْ...
سأغني , وليكنْ منبرُ أشعاري مشانقْ
وعلى الناس سلامْ..
أجملُ الأشعارِ ما يحفظُهُ عن ظهر قلبْ
كلُّ قارئْ...
فإذا لم يشرَبِ الناسُ أناشيدَكَ شُربْ
قلْ , أنا وحديّ خاطئْ..
ربما أذكر فرساناً , وليلى بَدَوِيَّهْ
ورعاةً يحلِبون النّوقَ في مغربِ شمسِ
يا بلادي , ماتمنيتُ العصورَ الجاهليَّهْ
فغَدِي, أفضلُ من يومي وأمسي !!
الممرُّ الشائكُ المنسيُّ مازالَ ممرا
وستأتيه الخُطى في ذاتِ عامْ
عندما يكبرُ أحفاد الذي عمَّرَ دهرا
يقلعُ الصخرَ, وأنيابَ الظلامْ..
من ثقوب السجن لاقيتُ عيونَ البرتقالِ
وعناقَ البحِر الرحيبِ
فإذا اشتدَّ سوادُ الحزن في إحدى الليالي
أتعزَّى بجمالٍ الليل’ في شَعرِ حبيبي !!
حُبُّنا أنْ يضغطَ الكفُّ على الكفِّ’ ونمشي
وإذا جعنا تقاسمنا الرغيفْ..
في ليالي البردِ أحميكِ برمشي
وبأشعارٍ على الشمس تطوفْ !!
أجملُ الأشياءِ أن شاياً في المساءْ
وعن الأطفالِ نحكي ...
وغد لا نلتقي فيه خَفَاءْ
وَمِنَ الأفراح , نبكي !!
لا أريد الموت , ما دامت على الأرض قصائدْ
وعيون لا تنامْ !
فإذا جاء ’ ولن بإذن , لن أُعاندْ
بل سأرجوه ، لكي أرثي الختامْ
لم أجد أين أنامْ
لا سرير أرتمي في ضفتيهْ
مومس مرت وقالت دون أن تلقي السلامْ
سيدي ! إن شئتَ.. عشرين جنيهْ !!
حتى أرى ظَّلنا خلف هذا المكان المُشَرَّدْ
10
أرى ما أريدُ من الموت: إني أُحبُّ، وينشقُّ صدري
ويقفزُ منه الحصانُ الإروسي أبيضَ يركض فوق السحابْ
يطير على غيمة لا نهائية ويدور مع الأزرق الأبَديّ...
فلا توقفوني من الموت، لا تُرْجعوني إلى نجمةٍ من ترابْ
11
أرى ما أُريدُ من الدم: إني رأيتُ القتيلْ
يخاطب قاتِلَهُ مذ أضاءتْ رصاصتُه قَلْبَهُ: أنت لا تستطيعْ
من الآن أن تتذكر غيري. قتلتُك سَهْواً، ولن تستطيعْ
من الآن أن تتذكَّر غيري... وأن تحمل وردَ الربيعْ
12
أرى ما أُريدُ من المَسْرَح العبثيِّ: الوحوشْ
قضاةَ المحاكم، قُبَّعةَ الإِمبراطور، أقنعةَ العصر،
لونَ السماء القديمة، راقصةَ القصر ، فوضى الجيوش
فأَنسى الجميع، ولا أتذكَّر إلا الضحية خلف الستار
13
أرى ما أُريدُ من الشعر: كُنّا قديماً إذا استُشْهِد الشعراء
نُشَيِّعُهُمْ بالرياحين ثم نعود إلى شعرهم سالمين
ولكننا في زمان المجلات والسينما والطنين نهيل التراب على شعرهم ضاحكين
وحين نعود نراهم على بابنا واقفين
14
أرى ما أُريدُ من الفجر في الفجر... إني أرى
شعوباً تفتِّشُ عن خبزها بين خبز الشعوبْ
هو الخبز، يَنْسُلُنا من حرير النعاس، ومن قُطْن أحلامنا
أمن حَبَّة القمح يبزغُ فجر الحياة... وفجر الحروبْ؟
15
أَرى ما أُريد من الناس: رغبتَهمْ في الحنينْ
إلى أيِّ شيء. تباطؤهم في الذهاب إلى شُغْلِهمْ
وسُرْعتَهُمْ في الرجوع إلى أهلهمْ ...

تصحيح الكلمات